أحمد زكي صفوت
106
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
97 - استهانة ابن ماهان بأمر طاهر بن الحسين وخرج ابن ماهان ، فلما جاز حلوان ، لقيته القوافل من خراسان ، فكان يسألها عن الأخبار ، فيقال له : إن طاهرا مقيم بالرّىّ ، يعرض أصحابه ، ويرمّ « 1 » آلته ، فيضحك ثم يقول : « وما طاهر ؟ فو اللّه ما هو إلا شوكة من أغصانى ، أو شرارة من ناري ، وما مثل طاهر يتولّى على الجيوش ، ويلقى الحروب » ، ثم التفت إلى أصحابه فقال : « واللّه ما بينكم وبين أن ينقصف انقصاف الشجر من الريح العاصف ، إلا أن يبلغه عبورنا عقبة « 2 » همذان ، فإن السّخال « 3 » لا تقوى على نطاح الكباش ، والثعالب لا صبر لها على لقاء الأسد ، فإن يقم طاهر بموضعه يكن أول معرّض لظبات « 4 » السيوف وأسنّة الرماح » . وسار حتى صار في أول بلاد الرىّ ، وأتاه صاحب مقدّمته وقال : « لو كنت - أبقى اللّه الأمير - أذكيت العيون ، وبعثت الطلائع ، وارتدت موضعا تعسكر فيه ، وتتخذ خندقا لأصحابك يأمنون به ، كان ذلك أبلغ في الرأي ، وآنس للجند » . قال : « لا ، ليس مثل طاهر يستعدّ له بالمكايد والتحفّظ ، إن حال طاهر تئول إلى أحد أمرين ، إما أن يتحصّن بالرىّ ، فيبهته « 5 » أهلها ، فيكفونا مئونته ، أو يخلّيها ويدبر راجعا لو قربت خيولنا وعساكرنا منه » . وأتاه يحيى بن علىّ ، فقال : « اجمع متفرّق العسكر ، واحذر على جندك البيات ، ولا تسرّح الخيل إلا ومعها كثف « 6 » من القوم ، فإن العساكر لا تساس بالتوانى ،
--> ( 1 ) يصلح . ( 2 ) العقبة : مرقى صعب من الجبال . ( 3 ) السخال جمع سخلة بالفتح : وهو ولد الغنم ذكرا أو أنثى . ( 4 ) الظبات جمع ظبة : وهي حد السيف . ( 5 ) بهته كمنعه : أخذه بغتة ، قال تعالى : « بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ » ، وفي مروج الذهب : « فيثب به » . ( 6 ) الكثف : الجماعة .